الشيخ محمد هادي معرفة

34

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

اللّهُ يصول ويجول ضدّ بني آدم ومسرحا آخر ترينا التوراة كيف حشّد الإله الربّ جموعه لمكافحة بني آدم : فرّق شملهم وبلبل ألسنتهم فلا يجتمعوا ولا يتوازروا ولايتعارف بعضهم إلى بعض ولايتعاونوا في حياتهم الاجتماعية . . . لماذا ؟ لأنّه كان - وحاشاه - يخاف سطوتهم فيثوروا ضدّ مطامع الإله ! ! جاء في سفر التكوين : كان بنو الإنسان على لسانٍ واحد متفرّقين على وجه الأرض ، فحاولوا التجمّع وبناء مدينة في أرض شنعار ( بين دجلة والفرات من أرض العراق ) . « 1 » فنزل الربّ لينظر بناء المدينة والبرج ( برج بابل ) ولكن هابه ذلك وخاف سطوتهم ، فعمد إلى تدمير المدينة وتفريق الألسن ، فلا يستطيع أحدهم أن يجتمع مع الآخر ليتفاوض معه ، فبدّدهم الربّ من هناك على وجه الأرض ومنعهم من البنيان . « 2 » هكذا تُبدي التوراة عداءه تعالى مع بني الإنسان ! هذا والقرآن يحثّ الأمم على الاجتماع دون التفرّق ، وعلى التعارف بعضهم مع بعضهم ليتعاونوا في الحياة ، دون التباغض والتباعد والاختلاف : « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا . . . » . « 3 » « وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ » . « 4 » الإنسان سرّ الخليقة الإنسان - كما وصفه القرآن - صفوة الخليقة وفلذتها وسرّها الكامن في سلسلة الوجود . لا تجد وصفا عن الإنسان وافيا ببيان حقيقته الذاتية التي جَبَله اللّه عليها - في جميع

--> ( 1 ) - عرفت باسم بابل عاصمة الكلدانيين ممّا يلي الحلّة الفيحاء . ( 2 ) - سفر التكوين ، الأصحاح 11 . ( 3 ) - الحجرات 13 : 49 . ( 4 ) - الأنفال 46 : 8 .